ابو البركات
218
الكتاب المعتبر في الحكمة
حركة هذا في عدوله عن وجهته بشدة وسرعة أشد من قوته وسرعته في حركته في وجهته الطبيعية فان الريح قد يبلغ من قوتها ان ترمى الجدران وتقلع الأشجار والغبار النازل في وجهته لا يهدم السقوف ولا ما هو أضعف منها فما سبب هذه القوة وما الذي احفز هذا الغبار إلى سلوك هذه الوجهة بهذه القوة والشدة التي لا تساويها بل ولا تقاربها قوة الصاعد من الغبار ولا قوة النازل منه ولو قوى الصاعد على النازل بهذه القوة لعكسه واصعده فما كان يحركه يمنة أو يسرة عن وجهته . هذا كلام ما يقبله قائله فكيف يقبله سامعه . وقال المتأخرون ان من أسباب الرياح سخونة تعرض في موضع من الهواء فينبسط ذلك الهواء ويزيد مقداره فيتحرك منبسطا فيحرك ما بين يديه فتتصل الحركة باتصال السبب المسخن كحركة الماء في الغليان والتبخر بالنار وهذا لو كان لكانت حركات الرياح كلها صاعدة أو منبسطة إلى كل جهة على السواء فان النامي ينمو في أقطاره على السواء وكذلك المتخلخل والمتسخن انما يتحرك بسخونته صاعد الا هابطا ولا منحرفا وكذلك لو جعل بدل الحرارة البرودة فأوجب التكثيف الجامع لبخار الهواء الجار للهواء اليه كما أوجبه بالحر المتخلخل الدافع لكانت الحركة اما إلى أسفل واما من كل جهة إلى وسط ما وليس كذلك فانا نرى الريح تهب من مسافات بعيدة وتحمل سحابا وترابا من موضع إلى موضع شاسع المسافة إلى جهة واحدة لا إلى جهتين متباينتين فكيف إلى جهات عدة ونرى الزوابع والهواء راكدا لا يتحرك تلتف وتسير كسير الفارس في جهة واحدة وكلما يحيط بها من الهواء ساكنا أو ضعيف الحركة ولو كان لالتفاف رياح لأحسسنا بتلك الرياح من الجهتين المتصادمتين بتلك القوة ولقد رأيت ريحا زوبعية صعدت من وسط ( خرگاه ) فحملتها صاعدة في الجو وأقلتها عن الأرض بقدر قامة الرجل ثم سقطت ومن يرى قوة الرياح لا يساويها بقوة النار في حركتها الصاعدة ولا بقوة التراب في حركته الهابطة فكيف يجعل سببها حرارة الصاعد من الغبار أو برودة النازل ولو كانت الرياح عن الحر الباسط لكفت إذا بردت في